كلمة عبد الله حدوشي من تطوان حول الترخيص المهني وإصلاح قطاع سيارات الأجرة بالعرائش .

في اللقاء التواصلي الثالث الذي نظمته جمعية ليكسوس المهنية للسائقين، وبتأطير من السيد محمد زرهوني رئيس المكتب التنفيذي للائتلاف المغربي للسائقين غير المالكين لسيارة الأجرة بالمغرب، قدّم السيد عبد الله حدوشي مداخلة عميقة تناول فيها موضوع الترخيص المهني باعتباره مدخلاً أساسياً لإصلاح قطاع سيارة الأجرة. وقد استهل كلمته بالتأكيد على أن أي نقاش حول هذا الترخيص لا يمكن أن ينطلق دون أرضية واضحة يُبنى عليها الترخيص، ومعرفة خلفيته وآفاقه، والتأكد من أن الظرف مناسب فعلاً لهذا المشروع، حتى لا يؤدي هذا التوجه مستقبلاً إلى تناقض بين مبادئ الائتلاف وقواعد المهنية، وبين من قد يستفيدون من الترخيص، محذّراً من إمكانية إعادة إنتاج دائرة الاستغلال نفسها التي عانى منها السائقون لعقود، بحيث يعود الإنسان ضحية لاستغلال أخيه الإنسان إذا لم يكن الإصلاح مضبوطاً وواضحاً.

وأوضح الحدوشي أن وضعية هذا القطاع اليوم ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات فساد واختلالات عمرها أكثر من ستين سنة، منذ سنة 1963 وما قبلها، مما يجعل أي مشروع إصلاحي محتاجاً إلى رؤية علمية وواقعية ومنطقية، بعيداً عن أي تلاسن أو سجالات سياسية لا تخدم جوهر القضية. وانطلاقاً من هذا التشخيص، أكد أن مسار إصلاح القطاع لا يخرج عن خيارين اثنين : إما مسار ثوري شامل يَهدم النموذج القديم ويُعيد بناء القطاع من الصفر، وهو خيار جذاب نظرياً لكنه محفوف بالمخاطر وقد تكون له عواقب اجتماعية واقتصادية على كل مكونات القطاع، بما فيها أصحاب الرخص والتفويض والسائقون وأسرهم؛ وإما مسار تدريجي هادئ يُصلح الاختلالات عبر برنامج زمني محدد، وهو الخيار الأكثر واقعية وحكمة لتفادي الفوضى وضمان إصلاح مستدام.
وانتقل الحدوشي بعد ذلك إلى المحاور العملية التي ينبغي على الائتلاف الاشتغال عليها، مؤكداً أولاً أن قطاع سيارات الأجرة قائم منذ عقود على منطق ريعي أثّر في كل العلاقات داخله وخارجه — من منح الرخص، إلى عقود التفويض، إلى التنازلات، إلى العلاقة المعقدة بين المشغل والسائق، وحتى بين السائقين أنفسهم. لذلك شدّد على ضرورة معالجة هذا الوضع القائم والبحث عن حلول توقف مسلسل الاستغلال وتعيد الاعتبار للمهنية.
كما دعا إلى ضرورة تحديد الهوية المهنية للسائق، لأن غياب تعريف واضح للمهنة وللمهني يفتح الباب أمام الدخلاء والسماسرة والانتهازيين الذين لا يهمهم سوى الربح المادي ولو على حساب المهنة وأخلاقها. وأكد أن ضبط شروط المزاولة وتحديد هوية السائق المهني هو حجر الأساس في أي إصلاح حقيقي.
وفي ما يتعلق بالبناء الداخلي للائتلاف، شدّد الحدوشي على أهمية تقوية التنظيم عبر هيكلة أفقية وعمودية تشمل تأسيس فروع محلية وإقليمية قادرة على الاشتغال الميداني، إضافة إلى التحضير الجيد للمؤتمر الأول للائتلاف من خلال إعداد الوثائق المالية والإدارية والأدبية، وصياغة ملف مطلبي يتميز ببرنامج نضالي واضح للفترة المقبلة، ومراجعة القانون الأساسي وإعداد نظام داخلي شامل يرقى إلى مستوى المهنيين ويضمن قوة التنظيم على المستوى الوطني.
وتوقف الحدوشي أيضاً عند الإطار القانوني المنظم للقطاع، مشيراً إلى أنه أصبح متجاوزاً ولا يساير الواقع، مما يستوجب تعديله وتحيينه وتتميمه بما يتلاءم مع التطورات الحالية. واستشهد بتصريح وزير الداخلية الذي قال : ” نحتاج إلى ثورة لكي ينهض القطاع من وضعه المتردي ويستعيد توازنه “. ثم طرح سؤالاً دقيقاً : من سيقود هذه الثورة ؟ هل السائقون ؟ أم الوزارة الوصية ؟ أم الاثنان معاً ؟
وعلى أية حال فالإصلاح لا يمكن أن يتم إلا عبر شراكة ومسؤولية مشتركة بين كل الأطراف المعنية، لأن أي طرف بمفرده لن يكون قادراً على معالجة عمق الأزمة البنيوية التي يعيشها القطاع منذ عقود.

وفي ختام مداخلته، دعا الحدوشي إلى بناء ثقافة جديدة داخل قطاع سيارة الأجرة، ثقافة تقوم على المشاركة والتضامن والعدالة المهنية والإنصاف، وعلى إقامة علاقات متوازنة بين جميع الأطراف وفق مبدأ ” رابح – رابح ” أو ” خاسر – خاسر “، حتى تُحمى حقوق السائقين والمستفيدين والدولة، ويستعيد القطاع توازنه وكرامته، ويصبح نموذجاً للمهنية والالتزام والشفافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock