سائق سيارة الأجرة… حين تكون التضحية عنوان المهنة

محمد مرزوك سائق مهني

غم التحذيرات الرسمية والإنذارات المتكررة، ورغم العواصف الرعدية وقساوة التقلبات الجوية، يظل سائق سيارة الأجرة حاضراً في الميدان، يؤدي واجبه بصمت، وكأن الخطر جزء من يومياته، وكأن خدمة المواطن التزام لا يقبل التأجيل.
سائق سيارة الأجرة ليس مجرد مهني يقود مركبة، بل هو حلقة أساسية في الحياة اليومية للمدن والقرى. في لحظات الشلل، حين تتعطل وسائل النقل الأخرى أو يفضّل كثيرون البقاء في بيوتهم، يكون هو في الشارع، يواجه المطر والرياح والطرق الزلِقة، واضعاً سلامة الركاب فوق كل اعتبار.
وقد أثبت سائقو سيارات الأجرة معدنهم الحقيقي خلال جائحة كورونا، حين كانت الشوارع فارغة والخوف يملأ النفوس. يومها لم يسألوا عن المخاطر ولا عن المقابل، بل لبّوا نداء الواجب، ونقلوا المرضى، والعاملين في القطاعات الحيوية، وكل من فرضت عليه الضرورة الخروج. كانوا في الصفوف الأمامية، يؤدون دوراً إنسانياً قبل أن يكون مهنياً، في زمن كانت فيه التضحية عنوان المرحلة.
اليوم، ومع كل عاصفة أو إنذار جوي، يتكرر المشهد نفسه: سائق الأجرة حاضر، صامد، متشبث بمهنته رغم الإكراهات، ورغم غياب الحماية الاجتماعية الكافية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضغط العمل اليومي. يعمل في صمت، دون كاميرات ولا إشادة رسمية، لكنه يحظى بثقة المواطن الذي يعرف جيداً من يقف إلى جانبه وقت الشدة.
إن الحديث عن سائق سيارة الأجرة هو حديث عن روح المسؤولية ونبل الخدمة العمومية. هو جندي مجهول يربط الأحياء، ويقرب المسافات، ويحافظ على نبض الحياة في أصعب الظروف. لذلك، فإن إنصاف هذه الفئة والاعتراف بتضحياتها لم يعد ترفاً، بل ضرورة تفرضها العدالة الاجتماعية واحترام من اختار أن يخدم الوطن والمواطن مهما كانت التحديات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock