تتجه وزارة الداخلية نحو طي واحد من أكثر ملفات النقل الحضري إثارة للجدل، بعدما أعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت عن استعداد وزارته لفتح باب تقنين النقل عبر التطبيقات الذكية، في إطار رؤية تروم عصرنة منظومة النقل ومواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة، حيث يأتي هذا التوجه بعد سنوات من الصراع بين سائقي هذه التطبيقات غير المرخصة ومهنيي سيارات الأجرة، الذين ظلوا يطالبون بحماية مكتسباتهم وتنظيم القطاع وفق قواعد قانونية واضحة، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن أولوية هذا الورش تكمن في تحسين جودة الخدمات وضمان مصلحة المرتفقين دون الإضرار بالتوازنات الاجتماعية والاقتصادية القائمة.
ويطرح هذا الانفتاح الرسمي في المقابل؛ جملة من الإشكالات المرتبطة بكيفية تنزيل التقنين المرتقب وحدوده العملية، خاصة في ظل تباين مواقف الفاعلين المهنيين والنقابيين، وحول إن كانت الصيغة التي تشتغل عليها وزارة الداخلية في التوفيق بين متطلبات التطور الرقمي وحماية مهنيي “الطاكسيات” ستنجح، وعن الحد الذي يمكن معه إدماج النقل الذكي داخل المنظومة القانونية دون المساس بقوانين النقل الطرقي أو تعميق الاحتقان داخل القطاع، وكذا مدى قدرة هذا الورش على إرساء نموذج نقل حضري عادل ومستدام يستجيب لتطلعات المواطنين ويستوعب التحولات العالمية.
الواقع القائم
يرى عبد الصادق بوجعرة، الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لمهنيي ومهنيات سيارات الأجرة، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل (UMT)، أن تصريحات وزير الداخلية لم تأتِ بما هو مفاجئ، بقدر ما عكست تشخيصًا واقعيًا للاختلالات البنيوية التي يعاني منها قطاع سيارات الأجرة منذ سنوات.
وقال بوجعرة في تصريح لجريدة “شفاف”، إن الوزير لم يعلن بشكل صريح أو مباشر عن الترخيص الفوري للتطبيقات الذكية، بل توقف عند إبراز أهمية قطاع سيارات الأجرة، والدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يلعبه في منظومة النقل الحضري، قبل أن يشير إلى ضرورة مواكبة التحولات التي يعرفها هذا المجال.
وأبرز المسؤول النقابي أن القراءة المتأنية لكلام وزير الداخلية تظهر أنه تحدث عن واقع قائم، يتمثل في وجود نقل غير مرخص يشتغل عبر التطبيقات، وفي تعدد المتدخلين داخل النقل الحضري، ما يفرض على قطاع سيارات الأجرة أن يعيد تقييم ذاته وينخرط في مسار التحديث دون التفريط في أسسه القانونية.
وأوضح الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لمهنيي ومهنيات سيارات الأجرة، أن النقاش لا يتعلق بإلغاء سيارات الأجرة أو تعويضها، بل بإدماجها في التحول الذي يعرفه النقل الحضري بشكل عام.
ولفت إلى النقابة الوطنية لمهنيي سيارات الأجرة لم تتفاجأ بهذا التوجه، بل استشرفته منذ سنوات، مبرزًا أن الاتحاد المغربي للشغل كان سباقًا منذ سنة 2017؛ إلى طرح مبادرات وأفكار تروم تأهيل القطاع، وتحسين الحكامة، والانخراط الواعي في التكنولوجيا، من خلال لقاءات دراسية ونقاشات داخلية هدفت إلى تجويد الخدمات ورفع صورة المهنة لدى المواطن.
❖رؤية النقابة
تنطلق رؤية النقابة، كما يعرضها بوجعرة، من مبدأ أساسي مفاده أن التحديث ليس نقيضًا للحقوق، وأن التكنولوجيا يمكن أن تشكل فرصة حقيقية إذا جرى توظيفها داخل إطار قانوني ووطني واضح.
وأكد أن النقابة لا تعارض التطور ولا ترفض الرقمنة، بل تعتبر أن الإشكال الحقيقي يكمن في الفوضى وغياب احترام القوانين؛ خاصة عندما يتعلق الأمر بشركات كبرى دخلت السوق المغربية دون ترخيص أو احترام للمساطر الجاري بها العمل.
وحذر الكاتب الوطني للنقابة من مخاطر هذا الوضع، مبرزًا أن السماح لشركات أجنبية بممارسة نشاطها خارج الإطار القانوني لا يهدد فقط التوازن الاقتصادي للقطاع، بل يمس أيضًا بسيادة الدولة، خصوصًا في شقها الرقمي.
وأوضح أن هذه التطبيقات تجمع معطيات شخصية حساسة تخص السائقين والزبناء، دون وضوح بشأن أماكن تخزينها أو طرق استعمالها، وهو ما يطرح إشكالات حقيقية مرتبطة بالأمن الرقمي وحماية المعطيات.
وفي المقابل، يؤكد بوجعرة أن النقابة لا ترفض الاستثمار الأجنبي ولا انخراط الشركات الكبرى؛ شريطة احترام القوانين الوطنية، مضيفًا أن من أراد العمل في المغرب عليه أن “يدخل من الباب”، وأن يلتزم بالإجراءات والمساطر، وأن يساهم في خلق فرص الشغل وتطوير القطاع، بدل فرض أمر واقع يضرب في العمق حقوق المهنيين ويكرس منطق الفوضى.
❖تحديات المرحلة
يتوقف عبد الصادق بوجعرة عند مفارقة أساسية تطبع واقع النقل الحضري، تتمثل في الإقبال المتزايد للمواطنين على خدمات النقل غير المرخص عبر التطبيقات، رغم المخاطر المرتبطة بها؛ سواءً من حيث غياب التأمين أو ضعف الضمانات القانونية.
واعترف الكاتب الوطني للنقابة الوطنية لمهنيي ومهنيات سيارات الأجرة، بأن هذا الإقبال يعكس في جزء منه تراجع جودة الخدمات المقدمة داخل قطاع سيارات الأجرة، وما يرافق ذلك من سلوكات مهنية غير منضبطة أحيانًا.
واعتبر المسؤول النقابي أن هذا الوضع لا يعفي المهنيين من مسؤولياتهم، بل يفرض عليهم مراجعة الذات، واستعادة أخلاقيات المهنة، واحترام الضوابط القانونية، وتحسين العلاقة مع المرتفقين.
وشدد المتحدث ذاته، على أن الواجب يجب أن يسبق المطالبة بالحق، مؤكدًا على أن فقدان ثقة المواطن هو ما فتح المجال أمام بدائل غير آمنة وغير قانونية.
وفي سياق الحديث عن الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب، وعلى رأسها احتضان تظاهرات عالمية، -وفي مقدمتها كأس العالم 2030-؛ يرفض بوجعرة ربط إصلاح قطاع سيارات الأجرة فقط بهذه المناسبات.
وأردف أن التحديث ليس مطلبًا ظرفيًا مرتبطًا بحدث دولي، بل حق يومي للمواطن المغربي، الذي يستحق خدمة نقل محترمة وآمنة وعصرية.
واستطرد أن مستقبل القطاع يمر حتمًا عبر إصلاح شامل، يوازن بين التكنولوجيا، والعدالة المهنية، وحماية السيادة القانونية، بما يضمن نقلًا حضريًا منظمًا ومنصفًا ومستدامًا.