ملف تقنين خدمات النقل عبر التطبيقات الذكية بالمغرب: بين المشروعية القانونية واختصاص وزارة الداخلية وتحديات التحول الرقمي

متابعة

▪️أولا: ما هو الأساس القانوني والتنظيمي الذي يؤطر النقل الحضري للأشخاص بالمغرب وأين يتموقع النقل عبر التطبيقات ضمنه؟
يشكل تنظيم النقل الحضري للأشخاص بالمغرب مجالا محكوما بإطار قانوني يمتد تاريخيا منذ صدور ظهير 12 نونبر 1963 المتعلق بتنظيم النقل بواسطة السيارات عبر الطرق، وهو النص الذي أسس مبدأ إخضاع نقل الأشخاص مقابل أجر لنظام الترخيص الإداري المسبق، كما عززت النصوص التطبيقية اللاحقة هذه الرؤية عبر وضع شروط واضحة لمنح المأذونيات وضبط شروط الاستغلال ومراقبة احترام التعريفة والمسار ومجال الاشتغال، وقد كرست الممارسة الإدارية إشراف وزارة الداخلية عبر الولاة والعمال على تنفيذ هذه الضوابط من خلال اللجان الإقليمية المختصة، وهو ما يجعل أي نشاط يندرج ضمن نقل الأشخاص مقابل أجر خارج إطار الترخيص الممنوح مخالفة صريحة للقانون، إلا أن ظهور التطبيقات الذكية أحدث وضعا جديدا ومعقدا من الناحية القانونية، إذ تقدم هذه المنصات نفسها كوسيط رقمي، بينما يظل جوهر النشاط نقلا فعليا للأشخاص مقابل أجر، وهو ما يطرح إشكالا أساسيا في التكييف القانوني بين الوساطة الرقمية وممارسة النقل العمومي، ومن زاوية التحليل القانوني فإن المعيار الحقيقي هو طبيعة الخدمة المقدمة وليس الوسيلة التقنية المستعملة، فإذا كان السائق يتقاضى أجرا لقاء نقل راكب من نقطة إلى أخرى فإن النشاط يظل ضمن نطاق النقل العمومي، مما يفرض إخضاعه لنفس قواعد الترخيص والمأذونيات، غير أن النصوص الحالية لم تحدد بعد مسؤولية المنصة الرقمية، ولا آليات التأمين والالتزامات الضريبية للسائقين، مما خلق منطقة رمادية بين المنع الصريح والتقنين الواضح، وأدى إلى تدخلات ميدانية ظرفية من طرف السلطات المحلية دون حسم تشريعي شامل، وهو ما يثير سؤالا جوهريا: هل النصوص التقليدية الصادرة في ستينيات القرن الماضي قادرة على استيعاب اقتصاد المنصات الذي يعتمد على العقود الرقمية الفورية والخوارزميات الذكية، أم أن الأمر يفرض مراجعة شاملة لمفاهيم النقل العمومي والوساطة الرقمية والمسؤولية القانونية للمنصة والسائق على حد سواء؟ كما أصبح هذا الملف يشكل تحديا ملموسا داخل دوائر القرار، في ظل الضغط المتزايد الذي تعرفه المدن الكبرى، وأيضا في سياق استعداد المغرب لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030 إلى جانب دول مجاورة، وما يفرضه ذلك من متطلبات على مستوى الجاهزية اللوجيستية وجودة خدمات التنقل الحضري، وقد تم مؤخرا تنظيم مشاورات تقنية بين قطاعات وزارية معنية وفاعلين مهنيين لإعادة تقييم الإطار القانوني المؤطر للنقل الحضري، خصوصا مع اتساع الفجوة بين العرض والطلب في مدن كبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش، وهو ما يطرح سؤالا إضافيا: كيف يمكن للسلطات أن توازن بين المشروعية القانونية وضرورة مواكبة التحولات الرقمية السريعة دون تعطيل الخدمة أو إقصاء فئات واسعة من السائقين؟
▪️ثانيا: هل يشكل النقل عبر التطبيقات منافسة غير متكافئة لقطاع سيارات الأجرة أم فرصة لإعادة هيكلة المنظومة برمتها؟
يرتكز نظام سيارات الأجرة بالمغرب على منطق المأذونية باعتبارها رخصة إدارية تمنح الحق في استغلال خدمة نقل مقابل أجر وفق شروط مضبوطة تتعلق بالتعريفة والمجال الترابي ونوع المركبة وعدد الركاب، وقد اكتسب هذا النظام بعدا اجتماعيا واقتصاديا جعله جزءا من التوازنات المهنية داخل القطاع، غير أن ظهور التطبيقات الذكية أحدث منافسة جديدة، تقوم على ربط العرض بالطلب بشكل لحظي عبر خوارزميات رقمية، وتتيح تحديد السعر مسبقا وتتبع الرحلة وتقييم أداء السائق، وهو ما اعتبره مهنيون منافسة غير متكافئة لعدم خضوع السائقين لنفس الالتزامات المرتبطة بالمأذونية والقيود التنظيمية، في حين يرى متتبعون أن هذه التطبيقات تعكس تحولا عالميا نحو اقتصاد المنصات وتستجيب لطلب متزايد على خدمات أكثر شفافية ومرونة، وهنا يبرز سؤال تحليلي عميق: هل الهدف من التنظيم حماية نموذج اقتصادي تقليدي قائم منذ عقود، أم حماية المصلحة العامة وضمان جودة الخدمات وسلامة الركاب، وهل من الممكن إيجاد صيغة توازن بين الابتكار الرقمي وحماية الحقوق المكتسبة للمهنيين؟ إن أي مقاربة متوازنة ينبغي أن تميز بين حماية الحقوق المكتسبة المشروعة للمهنيين وبين ضرورة تحديث القطاع برمته، فالمنافسة غير المؤطرة قد تؤدي إلى اضطراب السوق، غير أن المنع المطلق قد يحرم المنظومة من فرص التحديث والرقمنة، ومن ثم فإن التحدي يكمن في إيجاد صيغة إدماج قانوني تضمن تكافؤ الشروط والالتزامات دون إقصاء الابتكار، بما يحقق عدالة تنظيمية بين الفاعلين التقليديين والجدد ويعزز ثقة المواطن في الخدمة العمومية ذات الطابع المهني، كما يطرح سؤال استراتيجي آخر: هل يمكن اعتماد نظام يسمح للمنصات الرقمية بتحقيق قيمة مضافة للقطاع دون المساس بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية لسائقي سيارات الأجرة التقليديين، وهل يمكن للسلطات وضع آليات لضمان تنافسية عادلة وتحفيز الابتكار في الوقت نفسه؟
▪️ثالثا: أي أفق تشريعي ومؤسساتي لتقنين النقل عبر التطبيقات في ظل الاختصاص المركزي لوزارة الداخلية؟
إن الاختصاص التنظيمي الفعلي لقطاع النقل الحضري للأشخاص يقع تحت إشراف وزارة الداخلية، مما يجعل أي إصلاح في هذا المجال رهينا بمبادرة تنظيمية وتشريعية منسجمة تقودها هذه الجهة بالتنسيق مع القطاعات المعنية، والسؤال المطروح: هل يتجه المغرب نحو إدماج التطبيقات ضمن نظام سيارات الأجرة القائم أم نحو إحداث إطار قانوني مستقل للنقل عبر المنصات الرقمية، أم سيستمر الوضع في منطقة وسطى تحكمها تدخلات ظرفية دون رؤية استراتيجية واضحة؟ التحليل الواقعي يبين أن التحول الرقمي لم يعد خيارا بل أصبح معطى بنيويا، وبالتالي فإن استمرار الفراغ التنظيمي قد يؤدي إلى توسع أنشطة موازية يصعب ضبطها، في حين أن التقنين الواضح يمكن أن يحقق أهدافا متعددة تشمل توسيع الوعاء الضريبي، ضمان التغطية التأمينية، حماية المعطيات الشخصية، وتعزيز شروط السلامة الطرقية، كما يمكن أن يساهم في تحسين صورة المدن المغربية وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، غير أن أي تقنين ينبغي أن يتم وفق مقاربة تدريجية تشاركية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية للقطاع، وتضمن الانتقال المنظم نحو نموذج أكثر حداثة وتوازنا، وهو ما يثير تساؤلات إضافية: ما مدى جاهزية المنظومة القانونية لاستيعاب منظومة رقمية متكاملة للنقل، وكيف يمكن ضمان التنسيق بين وزارة الداخلية والقطاعات المعنية لضمان انسجام التشريعات والتطبيق؟
▪️رابعا: التوصيات والحلول العملية لتأطير التحول الرقمي في النقل الحضري.

المقاربة الإصلاحية المعقولة تقتضي أولا إحداث إطار قانوني صريح يعرف النقل عبر المنصات الرقمية ويحدد شروط ممارسته بشكل دقيق، مع التنصيص على إلزامية التسجيل والترخيص بالنسبة للسائقين والمنصات وفق دفتر تحملات واضح يخضع لرقابة السلطات المختصة، وإقرار مبدأ تكافؤ الالتزامات من حيث التأمين والمراقبة التقنية والالتزامات الجبائية، واعتماد صيغة إدماج مرحلية تسمح لسائقي سيارات الأجرة باستعمال التطبيقات بشكل قانوني داخل إطارهم المرخص، مع دراسة إمكانية خلق صنف جديد من الرخص خاص بالنقل عبر التطبيقات يخضع لشروط محددة تختلف عن النظام التقليدي ولكنها تضمن نفس مستوى السلامة والشفافية، كما يمكن إرساء منصة وطنية رقمية تحت إشراف السلطات المختصة تتيح رقمنة القطاع بشكل تدريجي وتحقق رقابة آنية على المعاملات، وإجراء تقييم مرحلي للتجارب قبل تعميمها، مع فتح حوار مؤسساتي يضم وزارة الداخلية والقطاعات المعنية وممثلي المهنيين وخبراء القانون الرقمي من أجل بلورة تصور توافقي يراعي المصلحة العامة ويضمن الانتقال التدريجي دون صدمات اجتماعية، وتعزيز آليات المراقبة الرقمية لحماية المعطيات الشخصية وضمان أمن المعاملات، بحيث يتحول هذا الملف من مصدر توتر مهني إلى فرصة لإصلاح شامل يكرس الشفافية والنجاعة وجودة الخدمة في إطار سيادة القانون واحترام الاختصاصات الدستورية للسلطات المختصة، كما ينبغي النظر في اعتماد إجراءات للتقييم الدوري للأثر الاجتماعي والاقتصادي للتحولات الرقمية على القطاع، ووضع مؤشرات دقيقة لضمان أن التحديث لا يؤدي إلى إخلال بتوازن سوق النقل الحضري، مع الحفاظ على المرونة اللازمة للاستجابة لمتطلبات المدن الكبرى وخصوصا في مناسبات دولية كبرى تستدعي جاهزية لوجستية عالية، وهكذا يمكن للمغرب أن يضع نموذجًا قانونيًا وتنظيميًا متوازنا يجمع بين حماية المهنة، وضمان جودة الخدمة، وتشجيع الابتكار الرقمي، بما يعكس نضج المنظومة القانونية واستعدادها لمواكبة الاقتصاد الرقمي الحديث.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock