
أزمة ثقة بين مهنيي تعليم السياقة والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية: مطالب بالتوضيح وتلويح بالتصعيد
ط/ب/م
دخلت الهيئات الممثلة لقطاع تعليم السياقة في مواجهة مفتوحة مع الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، بعد إصدارها بلاغًا شديد اللهجة عبّرت فيه عن قلقها العميق من المنهجية المعتمدة في تدبير عدد من الملفات الحيوية المرتبطة بالقطاع، وعلى رأسها مشروع فصل الامتحان النظري عن الامتحان التطبيقي لنيل رخصة السياقة.
البلاغ اعتبر أن الوكالة تعتمد منذ توليها مسؤولية الإشراف على القطاع مقاربة “إقصائية وأحادية”، بعيدة – بحسب تعبير الهيئات – عن روح الشراكة والتشاور المسؤول. وأشارت إلى أن الاجتماعات المنعقدة بين الطرفين أصبحت ذات طابع شكلي، في ظل غياب التنزيل الفعلي لمخرجاتها على أرض الواقع.
ومن أبرز الأمثلة التي استند إليها البلاغ، الاتفاق الرسمي المتعلق بتمكين المدربين من اختيار مكان تلقي التكوين في مدن إقامتهم، وهو التزام تم توثيقه بمحضر موقع من الطرفين، غير أنه ظل – وفق المصدر ذاته – دون تفعيل، ما اعتبرته الهيئات مساسًا بمصداقية الحوار المؤسساتي.
كما أثار إصدار مذكرة تحث على اعتماد عقد نموذجي يربط مؤسسات تعليم السياقة بمديريها ومدربيها موجة استياء داخل الأوساط المهنية، إذ رأت الهيئات أن هذه الخطوة توحي بوجود قصور أو وصاية مفترضة على مؤسسات تُعد، قانونًا، مقاولات مستقلة تخضع للتشريعات الجاري بها العمل، وتتحمل مسؤولياتها الكاملة في إطار الضوابط التنظيمية.
وفي هذا السياق، استند البلاغ إلى الفصل 12 من دستور المملكة، الذي ينص على إشراك الجمعيات والمنظمات في إعداد القرارات العمومية وتفعيلها وتقييمها، معتبرًا أن تغييب الهيئات المهنية عن الإعداد الفعلي للمشاريع المرتبطة بالقطاع يتنافى مع مبدأ الديمقراطية التشاركية.
الملف الأكثر حساسية في البلاغ يتعلق بمشروع فصل الامتحان النظري عن الامتحان التطبيقي. فقد طالبت الهيئات بإصدار بلاغ رسمي يوضح الأسس القانونية والتنظيمية المؤطرة لهذا المشروع، وأهدافه، وانعكاساته المهنية واللوجستيكية والمالية.
كما دعت إلى تقديم تفاصيل دقيقة بشأن كيفية تنزيل الإجراء عمليًا، لاسيما ما يتعلق ببرمجة المواعيد، والآجال الزمنية الفاصلة بين الامتحانين، وشروط الانتقال من الشق النظري إلى التطبيقي، وتأثير ذلك على مسار تكوين المترشحين داخل المؤسسات، فضلًا عن الضمانات الكفيلة بالحفاظ على التوازن الاقتصادي لمؤسسات تعليم السياقة وتفادي الاكتظاظ وتعطيل الخدمات.
ورغم انتقادها للمنهجية المعتمدة، أكدت الهيئات أنها لا تعارض الإصلاح في حد ذاته، بل تدعو إلى إصلاحات “جدية وحقيقية”، من بينها التعجيل بإخراج التعديل المرتقب لدفتر التحملات المنظم لفتح واستغلال مؤسسات تعليم السياقة، وإصدار المخطط المديري للقطاع لضبط الخريطة المجالية وتنظيم العرض والطلب.
كما نبهت إلى النقص الحاد في الموارد البشرية داخل المصالح العملياتية التابعة للوكالة، معتبرة أن هذا الخصاص يؤدي إلى ارتباك متكرر في برمجة الامتحانات وتأخير معالجة الملفات، ويزيد الضغط على المهنيين والمرتفقين، بل ويفتح المجال أمام ممارسات غير سليمة تمس بجودة الخدمات وشفافية المساطر.
وفي ختام البلاغ، أعلنت الهيئات عزمها إعداد برنامج نضالي تدريجي في حال استمرار الغموض وعدم التفاعل الإيجابي مع مطالبها، يبدأ بعقد اجتماعات وطنية ولقاءات تواصلية، وقد يتطور إلى أشكال احتجاجية مشروعة في إطار الضوابط الدستورية والقانونية.
وأكدت أن تمسكها بالحوار لا يعني قبولها بالتهميش، وأن حرصها على استقرار القطاع لا يعني التنازل عن حقوق المهنيين، مجددة دعوتها إلى اعتماد مقاربة واضحة وشفافة وتشاركية تعيد الثقة إلى قطاع تعليم السياقة باعتباره ركيزة أساسية في منظومة السلامة الطرقية.
وبين منطق الإصلاح الذي ترفعه الوكالة، ومطلب الشراكة الذي تتمسك به الهيئات المهنية، يبقى القطاع أمام مفترق طرق حاسم، عنوانه الأبرز: هل تُدار التحولات الكبرى بقرارات أحادية، أم بتوافق مؤسساتي يضمن الاستقرار والنجاعة معًا ؟



